القاضي التنوخي

115

الفرج بعد الشدة

ونهيق الحمير ، يسمّى : الزرّ ( البصائر والذخائر 4 / 297 ، راجع أخلاق الوزيرين 149 ) وفي بغداد ، يلفظونها : زعرّ ، وإذا صيح بها أمام الحمار ، نهق . وذكر الجبرتي في تاريخه 2 / 539 و 3 / 155 أنّ العسكر العثماني ، بالقاهرة ، باشروا في السنة 1217 بخطف حمير الناس من أولاد البلد ، فأخفى الناس حميرهم ، فكان الجماعة من العسكر ينصتون بآذانهم على أبواب الدور ، ويقف بعضهم على الدار ، ويقول ( زرّ ) ، ويكرّرها ، فينهق الحمار ، فيؤخذ . وكان إبراهيم بن الخصيب المديني ، أحمق ، وكان له حمار أعجف ، وكان إذا علّق الناس المخالي بالعشيّ ، أخذ مخلاة حماره ، وقرأ عليها « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، وعلّقها عليه فارغة ، وقال : لعن اللّه من يرى كيلجة شعير ، أنفع من « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، فما زال هكذا حتى نفق الحمار ، فقال : إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، تقتل الحمير ، فهي للناس أقتل ، لا قرأتها ما عشت ( البصائر والذخائر م 4 / 118 و 119 ، وراجع كتاب أدب الغرباء للأصبهاني 46 ) . ومما يروى عن السيد عبد الحسين الغريفي ، من علماء البحرين ، وكان فقيها من العلماء الأتقياء ، أنّه هجم عليه يوما ، وهو في حلقة درسه ، معيديّ ، أوسعه إزعاجا ، وألحّ عليه أن يستخير له ، فإنّه بصدد عمل يريد أن يقوم به ، فعمد السيد إلى كتاب اللّه ، وفتحه ، ثم التفت إليه وقال : أنت تريد أن تشتري حمارا ، فقال له : إي واللّه يا سيّدنا ، فقال له : امض فاشتره ، ولما بارح المعيديّ المكان ، سأله تلامذته : كيف عرف مراد المعيديّ ؟ فقال له : استفتحت له ، فظهرت الآية : سنشدّ عضدك بأخيك . أقول : أنا في شكّ من صحّة هذه الحكاية ، لأنّ السيد عبد الحسين ، وهو من الفقهاء الزهّاد ، أتقى للّه من أن يتّخذ من آيات القرآن موردا للتملّح . وقال عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 ) [ شذرات الذهب 3 / 341 ] : تكبّر على العقل لا ترضه * ومل إلى الجهل ميل هائم وعش حمارا تعش سعيدا * فالسعد في طالع البهائم وصديقنا المصوّر أرشاك ببغداد ، يخالف الناس في وصف الحمار بالبلادة ، وهو يقول : إنّ الحمار عاقل حكيم ، وإنّ النظرة التي نراها في عينه ونحسب أنها نظرة بلادة ، إنّما هي نظرة استهانة بنا ولا مبالاة ، وكأنّه يقول لنا : أنتم تقولون عنّي أنّي حمار ، وفي الحقيقة ، إنكم أنتم الحمير .